لم أستغرب من تفاعل الدعاة المذهبيين من الأشعرية مع المنشور السابق؛ إذ رأوا فيه ما يفيدهم في جدلهم المذهبي مع السلفية؛ حتى إني رأيت أحدهم يدعو السلفية للتوبة من اعتقاد حلول الحوادث (= الصفات الاختيارية بلغة السلفية)، بعد أن نشر نص أبي نصر السجزي السابق من غير إحالة منه لقناتي!
طيب السؤال المتوقع طرحه هنا:
لماذا لا تتوب أنت من إنكار الحرف والصوت؟ فأبو نصر السجزي لم يكتب كتابه ليرد على القائلين بحلول الحوادث أصالة، وإنما كتب كتابه ليرد على أئمتك الأشعرية لإنكارهم الحرف والصوت. وقد شنع عليهم جدًا في كتابيه «
الإبانة»، و«
الرسالة إلى أهل زبيد»؛ فأنت المطالب بالتوبة الآن؛ لأن خطاب أبي نصر السجزي يتجه إليك بالأصالة، لا إلى القائلين بحلول الحوادث.
لا سيما أن بين مسالة الحرف والصوت ومسألة حلول الحوادث فرقًا عند من يعي نصوص أئمة المحدثين؛ إذ هم مصرحون بإثبات الصوت؛ كابن حنبل والبخاري وغيرهما؛ بل ثبت عن ابن حنبل تكفير من ينفي الصوت؛ رواه ابنه عبد الله عنه في كتابه «
السنة»، الذي هو ثابت النسبة له ولا عبرة بتشكيك دعاة الأشعرية فيه؛ فهؤلاء من أجهل الناس بنصوص المحدثين العقدية والمرويات عنهم؛ لا سيما ابن حنبل. وكذلك روى عن ابن حنبل إثبات الصوت غير عبد الله ممن أخذ عنه؛ كأبي بكر المروذي ويعقوب بن بختان؛ كما روى الحسين بن عبد الله الخرقي، في كتابه «
قصص من هجره أحمد»؛ عن أبي بكر المروذي طعن ابن حنبل في الحارث المحاسبي لإنكاره الصوت. والرواية صحيحة؛ والحسين بن عبد الله الخرقي هو صاحب أبي بكر المروذي الذي هو المقدم في أصحاب ابن حنبل، ووالد صاحب «
المختصر الحنبلي الفقهي». كما عقد الخلال، فيما لم يصل إلينا من أبواب كتاب «
السنة»؛ بابًا بعنوان: "
الرد على الجهمية الضلال <في> أن الله لا يتكلم بصوت"، ذكره ابن تيمية في كتاب «
التسعينية». وكل هذا ذكرته في كتابي «
نهاية التأريخ العقدي أم التحيز المذهبي؟»، (ص310-321، 328-349).
أما نفي حلول الحوادث، أو تجدد الصفة في الذات؛ فهذه لغة كلامية لا نكاد نجد نصًا صريحًا في إثباتها أو نفيها من نصوص قدامى المحدثين؛ كل ما في الأمر نصوص مجملة أو مواقف أخرى يمكن أن يستنبط مذهبًا لهم بعملية تأويلية؛
لذا فمن ينفي الصوت هو أبعد عن ابن حنبل ممن يثبت حلول الحوادث في ذات الله؛ لأن الأول مخالف لنص صريح له، بخلاف الثاني!
فهل ينتظر من هذه العقلية الرسالية، التي لا تفهم طبيعة البحث العلمي وكيفية قراءة النصوص قراءة تاريخية؛ أي إضافة ذات بال في تطور المعرفة التاريخية في السياق العقدي في هذا العصر؟ والله إنه لا يحزنني رؤوس هؤلاء القوم، سواء كانوا أشعرية أم سلفية أم قرامطة... إلخ؛ فمن شب على شيء شاب عليه؛ لكن يحزنني حال الشباب الذين يفتنهم هؤلاء الذين لا يعرضون لهم الحقيقة كاملة بسبب طغيان
الأيديولوجيا المذهبية على وعيهم، وهم يظنون أنهم أمام باحثين يتمتعون بالنزاهة العلمية؛ بينما هم في الواقع أمام دعاة مذهبيين يحرفون التاريخ بغرض نصرة مذاهبهم التاريخية التي لم تنزل من السماء.
وكثيرًا ما نصحت الشباب هنا، سواء من ألتقي به أو من يتواصل معي؛ بالدراسة في الغرب؛ فأقل شيء تكسبه هناك أنك ستخرج قليلًا من هذه الأجواء المذهبية المقيتة التي تعكر نظرك البحثي؛ فكيف إذا كان في هذا فائدة لك من جهة تطويرك في طريقة البحث وزاوية النظر ومنهج المعالجة وأسلوب الكتابة؟ إضافة إلى انفتاح آفاق لك في التواصل مع الباحثين العلميين من مختلف الانتماءات مما يبعدك عن الدعاة المذهبيين في المجتمعات العربية. ولا شك أن البعد عنهم غنيمة، والسلامة منهم مطلب.
وأود أن أنبه، وإن كان هذا ظاهرًا لعدد من القراء؛ أنه لم يكن غرضي من نشر نص أبي نصر السجزي السابق الدخول في الجدل المذهبي؛ وإنما كان غرضي هو تطوير معرفتنا بآراء هؤلاء المحدثين؛ سواء اتفقنا أو اختلفنا معها؛ لا سيما أني تناولت تحليل مذهب أبي نصر السجزي في صفة الكلام في كتابي «
نهاية التأريخ العقدي أم التحيز المذهبي؟»، (ص418-431)؛ فقد كان يهمني معرفة ما الذي ذكره في كتابه «
الإبانة»؛ خاصة أن ابن تيمية ينسبه صراحة إلى مخالفة ابن كلاب البصري في موضوع حلول الحوادث ( = وقد تبين بعد منشوري السابق عدم صحة هذه النسبة من ابن تيمية، وإن كنت أثبت عدم الصحة في كتابي من غير وجه).
لكن قدرنا أن يكون عدد لا يستهان به ممن يتفاعل مع طرحنا هم من أصحاب هذه العقليات الدعوية على اختلاف مذاهبهم.
ولله كمال الحكمة في خلقه.
@al_ghizzi2080