avatar
عبد الله الـغِـزِّي
@al_ghizzi
13.04.2018 07:28
[وإذا ما تجاوزنا هذه الأخطاء الخطيرة في فهم حقيقة المنطق، لفتت أنظارنا خصيصة مدوية في جدل ابن تيمية، لعلها بعثت القلق في نفوس كثير من العلماء الذين دافعوا عن المنطق، وحملتهم على عدم الرد [عليه]. فقد كان ابن تيمية نادرًا ما يسهب في عرض موقف المناطقة، وإنما هو الجملة والجملتان، تُوردان مورد الدعاوى المجردة، ثم لا تُشفعان بشيء من الشرح لمأخذ الرأي وأسبابه، بل إنه لم يحاول قط أن يُرهص بما عساهم أن يدفعوا به إيراداته. والحق أن هذا الأسلوب يختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك المناقشات النقدية -للأفلاطونية المحدثة والفلسفة الأرسطية- التي دبجها الغزالي -مثلًا- وفخر الدين الرازي، أو مؤلفو الكتب الكلامية الذائعة كالإيجي والتفتازاني، أو علماء القرن الخامس عشر العثمانيون، الذين صنفوا ردودًا على الفلاسفة، فزعوا فيها إلى ردود الغزالي فنسجوا على منوالها. والقاعدة في هذه التواليف أن تُعرض أقوال الفلاسفة وأدلتهم بعناية وموضوعية، مشفوعة بما يرد عليها من اعتراضات ومناقشات، ثم متلوة بأجوبة عن هذه الاعتراضات حقيقية كانت أم مفترضة. وغالبًا ما توصف اعتراضات المتكلمين السابقين على الفلاسفة بعدم الكفاية، فتُغير. وفي بعض المسائل، ولا سيما غير المركزية <كصحة مذهب الجوهر الفرد (atomism) مثلًا>، يمكن ألا تنتهي المناقشة بقول فصل. وفي مقابل ذلك ترى ابن تيمية يقدم دائمًا أفكار المناطقة على نحو تبدو معه غريبة تعسفية، حتى إن قارئه لَيأخذُه الدَّهَشُ من أن يذهب قوم مثل هذه المذاهب. بل إنه يخطئ أحيانًا فيما يعزوه من الآراء خطأ فاحشًا: فالمناطقة -مثلًا- يقولون: إن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها (وهو قول لا يكاد يتضح معناه)، ولا يقولون بحجية المعلوم بالتواتر، ويقولون إن علم الله يحصل بواسطة القياس (ابن تيمية، الرد، 64، 92، 157، 474). وليس من شك في أن كثيرين من علماء الدين كانوا يتخذون في جدالهم -في بعض الأحيان- هذه اللهجة الشديدة الخشنة، ولا سيما في خطاب من لم يبلغ من خصومهم في قوة العقل مبلغ الفلاسفة المسلمين، أو كانوا يسلكون هذا المسلك في كتبهم الموضوعة للعامة. لكن ابن تيمية اصطنع هذه اللهجة في هجومه على أفكار قال بها علماء كبار؛ كالغزالي، وفخر الدين الرازي، وسيف الدين الآمدي. وصفوة القول أن تعليل إعراض المناطقة عن الرد على نقد ابن تيمية بأنهم كانوا مستغرقين في النزعة المحافظة، فعجزوا عن تقدير ما لرأيه من قوة: ينبغي أن يوضع على محك النظر].

"علم الكلام والمنطق" مقالة للدكتور خالد الرويهب، أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة هارفارد. وقد نُشرت ضمن كتاب: "دليل أكسفورد: اللاهوت الإسلامي"، والذي قام مركز نماء للبحوث والدراسات -مشكورًا- بترجمته مؤخرًا، تحت عنوان: "المرجع في تاريخ علم الكلام"، وهذا الكتاب يعد -بحق- أهم ما صدر هذا العام في البحث العقدي.

@al_ghizzi
41 7.9K

Обсуждение 0

Обсуждение не доступно в веб-версии. Чтобы написать комментарий, перейдите в приложение Telegram.

Обсудить в Telegram