avatar
عبد الله الـغِـزِّي
@al_ghizzi
16.03.2023 06:43
<عن نسبة كتاب «السنة» لعبد الله بن أحمد ابن حنبل (تـ290هـ)>:

تظهر بين الفينة والأخرى أصوات تنكر نسبة هذا الكتاب لعبد الله، وهذه الأصوات ليست منطلقاتها علمية؛ وإنما لها دوافع مذهبية واجتماعية. وسأركز هنا على تبيين مأخذين؛ حتى يتبين فساد مناهج هؤلاء في نقد النصوص:

المأخذ الأول، وهو ما نراه عند بعض الأشعرية؛ حيث الدافع لنفي نسبة الكتاب عن عبد الله -كما هو معروف- هو ما نسبه من آراء لوالده، وهذه الآراء لا تتفق مع عقائد الأشعرية. ومن أهم هذه الآراء إثبات الصوت؛ حيث نقل عبد الله عن والده إثبات الصوت وتكفيره من أنكر حديث "إن الله إذا تكلم سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان".

المأخذ الثاني، وهو ما نراه عند بعض الحنابلة؛ حيث يمثل الباب المعقود في كتاب «السنة» للطعن في أبي حنيفة= إشكالًا اجتماعيًا لديهم؛ إذ كيف يتقبلون نسبة هذا الكتاب لابن إمام مذهبهم، وهو يتضمن طعونًا في إمام مذهب "سني"، أصبح بينهم وبين المنتمين له علاقات اجتماعية جيدة في العصور المتأخرة!

لكن انظر كيف تصطدم هذه المآخذ الفاسدة في نفي نسبة النصوص التاريخية لأصحابها بعقبات علمية.

أما ما يتعلق بالمأخذ الأول فيصطدم بما يلي:

(1)- أن ما ذُكر في كتاب «السنة» من نسبة إثبات الصوت لابن حنبل لم ينفرد به مؤلفه كتاب «السنة»، بل رُوي عن ابن حنبل إثبات الصوت من طرق أخرى صحيحة؛ منها رواية أبي بكر المروذي (تـ275هـ)، وهو أقرب طلاب ابن حنبل له. ومحتمل أنه أوردها في كتابه «السنة» الذي لم يصل إلينا مع الأسف.

(2)- لم يرو عن ابن حنبل حرف واحد في إنكار الصوت أو القول بالكلام النفسي. وهي آراء لها تحقق تاريخي في زمنه؛ كما يدل عليه نص محمد بن شجاع الثلجي (تـ266هـ) الذي أشار إلى عقيدة الكلام النفسي.

(3)- بعض حجج ابن حنبل الرئيسة على نفي خلق القرآن لا تتوافق مع القول بالكلام النفسي.

(4)- ابن حنبل كان له موقف من ابن كلاب -صاحب الكلام النفسي- كما يذكر ابن خزيمة النيسابوري.

(5)- لا يوجد حنبلي من طبقة متقدمة يقول بالكلام النفسي أو ينكر الصوت. بمعنى أن هذا الرأي ليس له تحقق في مجتمع الحنابلة الأوائل في بغداد. وهم أعرف الناس بابن حنبل.

(6)- شارك الحنابلةَ في تبني هذا الرأي ونسبته لابن حنبل المحدثون من الشافعية، وردودهم على الأشعرية معروفة. وهذا داعم إضافي من مجتمع آخر.

(7)- المعتزلة، وهم طرف محايد هنا؛ ينسبون لابن حنبل إثبات الصوت.

وأما يتعلق بالمأخذ الثاني فيصطدم بما يلي:

(1)- السياق التاريخي؛ فقد كان الغالب على محدثي تلك الطبقة الطعن في أبي حنيفة وأصحابه. فهذا هو الأصل بالنسبة لسياقهم؛ بحيث لو كان الوارد في كتاب «السنة» هو باب في الثناء على أبي حنيفة= لاستشكلنا انتماء هذا النص للعصر الذي ينتمي له مجتمع عبد الله، مما يجعل نسبته إليه محل شك!

(2)- الوحدة العلمية؛ فلعبد الله كتاب آخر، وهو «العلل ومعرفة الرجال»، وجميع الروايات المتعلقة بشخص أبي حنيفة، بحسب فهرسة المحقق؛ هي واردة في سياق الذم! فما ورد في كتاب «السنة» موافق لنص آخر منسوب لعبد الله؛ فلا يوجد تعارض حينئذ بين النصوص المنسوبة له؛ بحيث نستشكل النسبة.

فهذه العقبات العلمية تبين فساد مآخذ هؤلاء الرساليين في نفي نسبة الكتاب عن عبد الله. وسيظهر لأي قارئ منصف أن مثل هذه المسالك التي يسلكها هؤلاء في نفي النصوص هي لا تصدر إلا عن أشخاص غير مطلعين على التراث اطلاعًا يخول لهم إصدار مثل هذه الأحكام، وإنما الدافع لها هي الإسقاطات الأيديولوجية على الماضي والتحيزات المذهبية! مع أن نقد أي نص يجب أن ينطلق من العصر الذي يُنسب له، بمقارنته بما يصح من نصوص للشخصية التي يُنسب النص لها؛ أي قراءة النص في سياقه، لا في سياق آخر مختلف عنه.

وهنا مادة علمية جيدة لأحد الباحثين، بيّن فيها سقوط القول بنفي نسبة كتاب «السنة» لعبد الله، أنصح المهتمين بالاطلاع عليها:

https://youtu.be/0a_Y60jq4WM

@al_ghizzi
YouTube
كتاب السنة لعبدالله بن أحمد والرد على الطاعنين في ثبوته
256 likes, 383 comments. "كتاب السنة لعبدالله بن أحمد والرد على الطاعنين في ثبوته"
17 7K

Обсуждение 0

Обсуждение не доступно в веб-версии. Чтобы написать комментарий, перейдите в приложение Telegram.

Обсудить в Telegram