عبد الله الـغِـزِّي
@al_ghizzi
<هل لتقي الدين ابن تيمية (تـ728) تأثير في كتب علم المنطق والفلسفة والكلام المدرسية؟>:
مشكلة بعض من يناقش هذا السؤال من المعاصرين أنه يناقشه وهو لم يتحرر من ظرفه الراهن، الذي اشتهر فيه تراث الشيخ وتداوله الناس واعتنوا بآرائه؛ إذ سيظن -تلقائيًا- أن هذا هو الحال في الأزمنة السالفة! طبعًا ولا يلزم أن الأمر كذلك؛ فالحقيقة أن واقع تراث الشيخ قبل عدة قرون ليس مثل واقعه في المرحلة التي تعيشها أنت الآن حاليًا، ولا بد أن تُدرس الأحداث السالفة ضمن واقعها التاريخي بمعزل عن الواقع الذي تعيشه أنت.
فلا يخفى أن الشيخ كتب كلامًا كثيرًا في رد المنطق والفلسفة والكلام، وطرح نظريات عميقة جدًا، اتسمت بالتجديد والابتكار والأصالة، ومع كل ذلك؛ فالرجل ليس له حضور بارز في كتب هذه العلوم إلى ما قبل ظهور الدعوة النجدية: (1157هـ) كأعلى حد زمني يمكن أن نقيد به حديثنا عن هذه القضية. وقد كفانا د. خالد الرويهب -أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة هارفارد- مؤونة بيان ذلك في علم المنطق تحديدًا. أما في الفلسفة والكلام فآراؤه غائبة تمامًا لا تكاد تذكر من حيث هي آراؤه، وإن ذُكرت فتذكر بطريقة تشنيعية فيها افتراء وتجن عليه، أو غير محررة، كما وقع في «شرح العقائد العضدية» لجلال الدين الدواني (تـ908)، وإن كان أثنى على الشيخ؛ لكن نسب له قولًا لم يحرره على وجهه. ويكفي أن تعلم أن السنوسي (تـ895) -وعلى كتبه المدار لدى أشعرية العرب- لم يذكر الشيخ في تصانيفه إلا لما أسند إليه بيتين في ذم كتاب «المحصل»، وهذا بحسب ما أفادني به أحد الباحثين المتتبعين لتراث السنوسي.
لذا من أنكر أن للشيخ تأثيرًا واضحًا في مسيرة الكتب المدرسية لهذه الفنون= فهو مصيب، وإن أراد مدعي تأثيره بالتأثير أمرًا آخر غير ما نفهم من مصطلح (تأثير)، ومثاله: التأثير الذي أحدثه ابن سينا (تـ428) في الفلسفيات، والتأثير الذي أحدثه أبو الحسين البصري (تـ436) وفخر الدين الرازي (تـ606) ونصير الدين الطوسي (تـ672) في الكلاميات مما أوجد تيارًا داخل هذين الفنين= فليبيّنه لنا. وأما مجرد الذكر العرضي، فهذا يقع لأناس غدت آراؤهم من الماضي، تُذكر من باب استيفاء قسمة الأقوال في المسألة، أو للتشنيع عليهم، كما هو ظاهر من مطالعة الكتب. وأنا هنا أتحدث عن كتب هذه الفنون المحركة لعجلتها، ولا أقصد الكتب المتحررة التي لا تنتظم في سلك الكتب المدرسية لهذه الفنون.
والحقيقة أني لم أر أثر الشيخ على المصنفين في كتب علم الكلام المدرسية إلا عند شخصية واحدة، سوف نبرز آراءها في الوقت المناسب بمشيئة الله، لكن هذه الشخصية كذلك لا تحظى بأي حضور داخل منظومة التأليف الكلامي.
نعم! الشيخ له حضور في كتب الحنابلة، إلا أن من الغرائب أن بعض الحنابلة ينقل قول الشيخ ثم يقرر نقيضه، ولا يتفطن لذلك! فمثلًا ترى أحدهم يقرر أن الكلام صفة ذات وفعل، (= وهو هنا متابع لتقرير الشيخ)، ثم في موضع آخر يقرر أن القرآن قديم، (= وهو هنا متابع لتقرير عامة فقهاء مذهبه)، مما يوحي بعدم تحرر قول الشيخ لدى المؤلف!
وأحب أن أؤكد أن تأثير الشيخ في هذه الكتب المدرسية أو عدم ذلك: لا يدل على صوابية آرائه أو خطئها، ولا تلازم بين الأمرين أصلًا.
ثم تبرير هذا الغياب ببطش السلطة السياسية، وإتلاف كتبه، واختلاف طريقة بحثه.. وغيرها من المبررات= هو -في الحقيقة- إقرار بتحقق الغياب، وهذا ما يهمنا حاليًا في هذا المقام، وأما بيان مبرراته العلمية؛ فله موضع آخر.
@al_ghizzi
مشكلة بعض من يناقش هذا السؤال من المعاصرين أنه يناقشه وهو لم يتحرر من ظرفه الراهن، الذي اشتهر فيه تراث الشيخ وتداوله الناس واعتنوا بآرائه؛ إذ سيظن -تلقائيًا- أن هذا هو الحال في الأزمنة السالفة! طبعًا ولا يلزم أن الأمر كذلك؛ فالحقيقة أن واقع تراث الشيخ قبل عدة قرون ليس مثل واقعه في المرحلة التي تعيشها أنت الآن حاليًا، ولا بد أن تُدرس الأحداث السالفة ضمن واقعها التاريخي بمعزل عن الواقع الذي تعيشه أنت.
فلا يخفى أن الشيخ كتب كلامًا كثيرًا في رد المنطق والفلسفة والكلام، وطرح نظريات عميقة جدًا، اتسمت بالتجديد والابتكار والأصالة، ومع كل ذلك؛ فالرجل ليس له حضور بارز في كتب هذه العلوم إلى ما قبل ظهور الدعوة النجدية: (1157هـ) كأعلى حد زمني يمكن أن نقيد به حديثنا عن هذه القضية. وقد كفانا د. خالد الرويهب -أستاذ تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة هارفارد- مؤونة بيان ذلك في علم المنطق تحديدًا. أما في الفلسفة والكلام فآراؤه غائبة تمامًا لا تكاد تذكر من حيث هي آراؤه، وإن ذُكرت فتذكر بطريقة تشنيعية فيها افتراء وتجن عليه، أو غير محررة، كما وقع في «شرح العقائد العضدية» لجلال الدين الدواني (تـ908)، وإن كان أثنى على الشيخ؛ لكن نسب له قولًا لم يحرره على وجهه. ويكفي أن تعلم أن السنوسي (تـ895) -وعلى كتبه المدار لدى أشعرية العرب- لم يذكر الشيخ في تصانيفه إلا لما أسند إليه بيتين في ذم كتاب «المحصل»، وهذا بحسب ما أفادني به أحد الباحثين المتتبعين لتراث السنوسي.
لذا من أنكر أن للشيخ تأثيرًا واضحًا في مسيرة الكتب المدرسية لهذه الفنون= فهو مصيب، وإن أراد مدعي تأثيره بالتأثير أمرًا آخر غير ما نفهم من مصطلح (تأثير)، ومثاله: التأثير الذي أحدثه ابن سينا (تـ428) في الفلسفيات، والتأثير الذي أحدثه أبو الحسين البصري (تـ436) وفخر الدين الرازي (تـ606) ونصير الدين الطوسي (تـ672) في الكلاميات مما أوجد تيارًا داخل هذين الفنين= فليبيّنه لنا. وأما مجرد الذكر العرضي، فهذا يقع لأناس غدت آراؤهم من الماضي، تُذكر من باب استيفاء قسمة الأقوال في المسألة، أو للتشنيع عليهم، كما هو ظاهر من مطالعة الكتب. وأنا هنا أتحدث عن كتب هذه الفنون المحركة لعجلتها، ولا أقصد الكتب المتحررة التي لا تنتظم في سلك الكتب المدرسية لهذه الفنون.
والحقيقة أني لم أر أثر الشيخ على المصنفين في كتب علم الكلام المدرسية إلا عند شخصية واحدة، سوف نبرز آراءها في الوقت المناسب بمشيئة الله، لكن هذه الشخصية كذلك لا تحظى بأي حضور داخل منظومة التأليف الكلامي.
نعم! الشيخ له حضور في كتب الحنابلة، إلا أن من الغرائب أن بعض الحنابلة ينقل قول الشيخ ثم يقرر نقيضه، ولا يتفطن لذلك! فمثلًا ترى أحدهم يقرر أن الكلام صفة ذات وفعل، (= وهو هنا متابع لتقرير الشيخ)، ثم في موضع آخر يقرر أن القرآن قديم، (= وهو هنا متابع لتقرير عامة فقهاء مذهبه)، مما يوحي بعدم تحرر قول الشيخ لدى المؤلف!
وأحب أن أؤكد أن تأثير الشيخ في هذه الكتب المدرسية أو عدم ذلك: لا يدل على صوابية آرائه أو خطئها، ولا تلازم بين الأمرين أصلًا.
ثم تبرير هذا الغياب ببطش السلطة السياسية، وإتلاف كتبه، واختلاف طريقة بحثه.. وغيرها من المبررات= هو -في الحقيقة- إقرار بتحقق الغياب، وهذا ما يهمنا حاليًا في هذا المقام، وأما بيان مبرراته العلمية؛ فله موضع آخر.
@al_ghizzi
110 10.1K
Обсуждение 0
Обсуждение не доступно в веб-версии. Чтобы написать комментарий, перейдите в приложение Telegram.
Обсудить в Telegram