روى الإمام أحمد في الزهد عن أبي وائل قال: قال أبو الدرداء: إني لآمركم بما لا أفعل، ولكن أرجو أن أؤجر عليه.
ولهذه الأخبار نظائر تفهم على ضوئها وفي سياقها، أسوق بعضًا منها:
- روى الإمام أحمد في كتابنا هذا برقم (215) عن الحسن، قال: لا تؤدي النصيحة إلى أخيك حتى تأمره بما تعجز عنه.
- وفي «الجامع» للقيرواني (ص158): قال مالك: قال سعيد بن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر.
قال مالك: ومن هذا الذي ليس فيه شيء؟
- وفي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابن أبي الدنيا» (ص139): قال عمر بن عبد العزيز: لو أن المرء، لا يعظ أخاه حتى يحكم أمر نفسه، ويكمل الذي خلق له من عبادة ربه، إذن لتواكل الناس الخير، وإذن يرفع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقل الواعظون والساعون لله عز وجل بالنصيحة في الأرض.
- وفي «لطائف المعارف» (ص42): قيل للحسن: إن فلانًا لا يَعِظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل. فقال الحسن: وأيُّنا يفعل ما يقول؟! ودَّ الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر.
فهذه الآثار المروية عن سلف الأمة تمثل ميزانًا دقيقًا وفهمًا عميقًا للطبيعة البشرية ولواجب الإصلاح، في التمييز بين واجب العمل وواجب الدعوة. فالتقصير في أحدهما لا يستلزم بالضرورة ترك الآخر.
فإذا فات الإنسانَ أجرُ العمل، فلا ينبغي أن يُفوت على نفسه أجر الدلالة على الخير. ويحذر الوقوع في فخ المثالية المستحيلة. فالشيطان حين يعجز عن إيقاع العبد في المعصية، يحاول أن يقنعه بالصمت بحجة خوف النفاق ليخلو الجو للمنكر بلا نكير. ويؤدي إلى تعطيل شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمامًا.
ومع هذا، يظلُّ المؤمنُ مطالباً برأبِ صدعِ التقصيرِ في نفسه، مجاهداً إياها ليوافقَ فعلُه قولَه؛ صدقاً في التوجه وإبراءً للذمة، مستشعراً في ذلك حال السلف في مكاشفة النفس.
روى الإمام أحمد في الزهد عن عبد الله بن عروة بن الزبير، قال: أشكو إلى الله عز وجل عيبي ما لا أترك، ونعتي ما لا آتي.
👍23
39 2.5K
Обсуждение
0
Обсуждение не доступно в веб-версии. Чтобы написать комментарий, перейдите в приложение Telegram.
Обсуждение 0
Обсуждение не доступно в веб-версии. Чтобы написать комментарий, перейдите в приложение Telegram.
Обсудить в Telegram