من الأمور المغفول عنها، وهو أمر بالغ الأهمية، أن كلا الطرفين يستشهد بأقوال أئمة الزيدية المتقدمين؛ لتأكيد انتمائهم إليهم و/أو لنفي انتماء الآخر إليهم.
ومن كتب في عصرنا عن قضية المخترعة والمطرفية لا أظن أن هذا الأمر يخطر بباله، وإذا خطر أن يتوقف عنده؛ لدراسته عند طرفي النزاع بنحو جاد بعيد عن التشنج وغير مدفوع بأيديولوجيا؛ لمعرفة ما مدى واقعية تلك الاستشهادات؟ هل هي صريحة في المقصود أم محتملة له أم على النقيض منه؟
وذلك لأن أولئك الكتاب غير مؤهلين للبحث التأريخي ودراسة النصوص ونقدها، وغير محتازين لأدوات البحث العلمي!
لامني بعض الأصدقاء على ما قلته عن زيد بن علي الوزير، وقال إن الرجل لم يعد قادرًا على الكتابة؛ فقد بلغ التسعين من عمره، وقال -والعهدة عليه- إن هناك من يكتب له تقديمات كتبه التي ينشرها مركز التراث ومقالاته التي في المسار.
حاولت جهدي -وأزعم أنني قد فعلت- أن أبقى على مسافة بيني وبين نص ماديلونغ في تعليقاتي عليه وفي التقديم له، وألا أنزلق إلى "تعصب" أو أنطلق من دافع "أيديولوجي"!
قضية الكتاب الرئيسة، أو سؤاله المركزي هو:
هل ما كتبه مؤرخو المقالات العقدية يخلو من الإشكالات المعرفية والمفاهيمية والتاريخية؛ فيعدّ من قِبَل مجتمع البحث الشرعي غاية ما أمكن في التأريخ لتلك المقالات، أم بالإمكان فحصه واستئناف النظر فيه؟
وبعيارة أخرى:
هل النظر إلى ما كتبه مؤرخو العقائد نظر واقع في التحيز المذهبي (بالتعريف الغِزِّي)؛ ومن ثمة فهو غاية ما أمكن كتابته، أم هو نظر يرى أن ما كتبوه اجتهاد بشري، يمكن -لكونه كذلك- فحصه وإعادة قراءته من جديد، وتقديم بديل عنه أو أفضل منه؟
وقد عدلت إلى صياغة السؤال بهذه الصيغة التعميمية؛ لأنه ليس خاصًّا بقراءة ابن تيمية لصفة الكلام عند ابن حنبل وتحرير مذهبه فيها؛ بل يتسع ليشمل التأريخ العقدي للمذاهب الإسلامية عمومًا؛ إذ لا يخلو مذهب من مقالات يقع فيها تحيز مذهبي؛ تستدعي الفحص وإعادة القراءة!
ففي الزيدية -على سبيل المثال- يَنسب بعض متأخريهم القول بـ«الصفة الأخص» إلى القاسم بن إبراهيم الرسي (ت. 246هـ)؛ مستندًا في ذلك إلى نص للقاسم لا يتجاوز سطرين. وأول ما في هذه النسبة أنها تتضمن:
1) مفارقة تاريخية؛ وذلك لأن أبا هاشم الجبائي (ت. 321هـ) هو أول من قال بـ«الصفة الأخص»، وهو متأخر عن القاسم الرسي زمنيًّا.
2) إسقاطًا عكسيًّا لمفهومٍ متأخر على نص متقدم لم يكن قد تشكل فيه ذلك المفهوم!
يبدو لي أن الذكاء الاصطناعي سينشئ شريحة من الغشاشين المتلبسين بثوبي زور، الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
أذكياء الغش هؤلاء يتمتعون بالجرأة -أعني بالجرأة تعدي الحدود- ليقبلوا على أنفسهم أن يكتب عنهم الذكاء الاصطناعي مقالات وأبحاثًا ومقدمات لتحقيق النصوص التراثية!
هل تحتفي بالكتاب؟ نعم! لماذا؟ لأنه يستحق ذلك، وهو المفترض بمن يقع الكتاب بين يديه!
الكتاب قراءة تاريخية (لا أيديولوجية)، تتضمن نقاشات معرفية (لا جدالات مذهبية)، يسعى إلى الفهم والتفهم؛ ليقدم معرفة لها مستندات ومسوغات وقرائن وشواهد، متوسلًا المنهج التاريخي وأدوات البحث العلمي وأسلوب الكتابة الأكاديمية.
وهو في قراءته التاريخية هذه يميز بين ثلاثة مستويات:
- التاريخ -دون همز- الذي هو الحدث الماضي.
- التأريخ -بالهمز- الذي هو تدوين ذلك الحدث الماضي.
- فحص كيفية تدوين ذلك الحدث الماضي.
والكتاب، بمقدماته المنهجية والتنظيرية، وبأقسامه الثلاثة التطبيقية وخاتمته، يوضح الإجراءات اللازمة لعملية الفحص هذه.
ومن الصفحة الأولى حدد الغِزِّي جمهور كتابه بعناية؛ بأنه ليس للجميع؛ بل للنخبة «الساعين نحو المعرفة»! وأبان عن موضوعه بدقة بأنه بحث عن التأريخ. فمن لم يكن بتلك الصفة ولم يرد موضوعه فأولى له ثم أولى ألّا يُعكِّر صفو آماله ويُقلقَ سكينة رغباته!
ولأن «الساعين نحو المعرفة» مختلفون؛ فإن الكتاب لنخبة النخبة منهم؛ فما كلهم يناسبه الكتاب؛ وذلك لأنه يتطلب مستوى علميًّا متقدمًا وخلفية معرفية واسعة؛ في مقالات الفرق ومذاهب المتكلمين وتاريخ الأفكار ونقد النصوص والمنهج التاريخي وأدوات البحث العلمي ... إلخ.
كما أنه من النوع الذي يحتاج في قراءة أفكاره وعناصره إلى التروي وحضور الذهن وشدة التركيز؛ بل وتكرار القراءة؛ ليجاري القارئ تسلسل تلك الأفكار والعناصر، ليس لصعوبة أسلوبه أو تقعُّر لغته؛ بل لدقته وعمقه وكثرة تفاصيله وتشابكه، ولما يتخلله من تفكيك وتحليل وإعادة تركيب.